الشيخ محمد رشيد رضا
312
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أقول : قد علم مما تقدم أن بعض المفسرين قالوا إن المراد بقوله تعالى في الآيات السابقة « رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ » ما وعد اللّه به المؤمنين من النصر والظفر وأننا اخترنا أن المراد ذلك وما وعد من ثواب الآخرة . وعلى هذين القولين ربما يستبطىء بعض المؤمنين إيتاءهم الوعد المتعلق بالنصر والتغلب على الكافرين الظالمين كما يدل قوله تعالى ( 2 : 214 حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ) فجاء قوله تعالى لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ الآية تسلية لهم وبيانا لكون الاملاء للكافرين واستدراجهم لا يصح أن يكون مدعاة ليأس المؤمنين ولا حجة للمنافقين الذين قالوا عند الشدة ( 32 : 12 ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً ) - فهذا وجه في اتصال هذه الآية بما قبلها في ترتيب الآيات الشريفة . وقال الامام الرازي : اعلم أنه تعالى لما وعد المؤمنين بالثواب العظيم وكانوا في الدنيا في نهاية الفقر والشدة والكفار كانوا في النعم ذكر اللّه تعالى في هذه الآية ما يسليهم ويصبرهم على تلك الشدة : وقال الأستاذ الامام : كان الكلام في أولى الألباب المؤمنين وقد علمنا أن اللّه تعالى يستجيب لهم بالأعمال فالعبرة بالعمل ومنه المهاجرة وتحمل الايذاء في سبيل اللّه وبذل النفس في القتال حتى يقتلوا وبذلك يستحقون ثواب اللّه تعالى . ثم ذكر حال الكافرين للمقابلة وربط الكلام بما قبله بالنهى عن الاغترار بما هم فيه من نعيم وتمتع كأنه يقول : على المؤمن أن يجعل مرمى طرفه ذلك الثواب الذي وعدته فهو النعيم الحقيقي الباقي وهذا الذي فيه الكافرون متاع قليل فلا تطلبوه ولا تحفلوا به . يسهل بهذا على المسلمين ما كلفوه من تحمل الايذاء والعناء في إقامة الحق أقول : أما معنى الآية فهو لا يغرنك أيها المخاطب المؤمن أو لا يغرنك يا محمدقولان ) تقلبهم ، قالوا وما خوطب به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من مثل هذا فالمراد به أمته ، فروى عن
--> - قسم آية 193 : 190 رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً ) فجعلها آيتين أول الثانية منهما 191 « ف » رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا » وأيضا جعل آية ( 195 : 193 فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ) ثلاث آيات أول الثانية منهن ( 194 فَالَّذِينَ هاجَرُوا - وأول الثالثة 195 ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) وههنا يتفق مع عد مصاحف الآستانة ومصر وتكون آية لا يغرنك هي